
وجّه بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس رسالة مشتركة بمناسبة عيد الميلاد لعام 2025، حملت في طياتها مزيجًا من الرجاء الروحي والتحذير الواقعي، في ظل الظروف الإنسانية والأمنية الصعبة التي تعيشها الأرض المقدسة والمنطقة المحيطة بها.
وأكدت الرسالة أن ما يمر به الناس اليوم من خوف وقلق وفقدان يعيد إلى الأذهان المشهد الأول لميلاد السيد المسيح، حين ظهر ملاك الرب لرعاة بيت لحم في لحظة اتسمت بالخوف وعدم اليقين، داعيًا إياهم إلى ترك الخوف جانبًا واستقبال بشارة الخلاص.
وأشار رؤساء الكنائس إلى أن الرعاة، من أمام المذود في المغارة المقدسة، كانوا أول من شهد عطية الله السخية المفعمة بالمحبة والسلام، مؤكدين أن رسالة الميلاد ستظل مصدر عزاء وأمل في أحلك الظروف، وأن الرجاء المسيحي لا ينفصل عن واقع الألم والمعاناة.
ترحيب حذر بوقف إطلاق النار
ورحّبت الكنائس بإعلان وقف إطلاق النار، الذي أتاح الفرصة أمام عدد من المجتمعات للاحتفال بعيد الميلاد هذا العام بصورة أوسع مقارنة بالفترات السابقة، إلا أن الرسالة شددت على أن هذا التوقف لا يمكن اعتباره سلامًا حقيقيًا أو دائمًا.
واستشهدت الرسالة بقول النبي إرميا: «سلام، سلام، ولا سلام»، في إشارة إلى خطورة الاكتفاء بالشعارات والبيانات السياسية، بينما تستمر معاناة المدنيين على أرض الواقع.
وأكدت الكنائس أن إعلان التهدئة لا ينهي تلقائيًا الألم الإنساني، في ظل استمرار سقوط قتلى وجرحى، وإصابة المئات بجروح خطيرة رغم الحديث عن وقف الأعمال العدائية.
استمرار الانتهاكات والمعاناة الإنسانية
وسلطت رسالة عيد الميلاد الضوء على استمرار الانتهاكات التي تطال حياة المدنيين وممتلكاتهم وحرياتهم، ليس فقط داخل الأرض المقدسة، بل في عدد من الدول المجاورة أيضًا، ما يعكس اتساع دائرة المعاناة الإنسانية في المنطقة.
وأكدت الكنائس أن هذه الانتهاكات تعمّق جراح المجتمعات المتضررة، وتزيد من مشاعر الخوف وانعدام الاستقرار، خاصة في ظل النزوح، وفقدان الأحباء، وتدمير البيوت، وحرمان الآلاف من أبسط حقوقهم الإنسانية.
دعوة إلى سلام قائم على العدالة
وشدد بطاركة ورؤساء الكنائس على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، بل يجب أن يستند إلى العدالة، واحترام كرامة الإنسان، وحماية الأرواح والممتلكات، وضمان الحقوق الأساسية لجميع الشعوب دون استثناء.
وأوضحت الرسالة أن تجاهل الجذور العميقة للصراعات لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العنف، مهما تكررت إعلانات التهدئة، مؤكدة أن السلام الدائم يتطلب إرادة حقيقية تضع الإنسان في قلب أي حل سياسي أو أمني.
تضامن دائم مع المتألمين
وجدد قادة الكنائس في القدس تضامنهم الكامل مع جميع المتألمين والمنكسرين في هذه المرحلة الصعبة، مؤكدين وقوفهم إلى جانب كل من فقدوا أحبّاءهم أو بيوتهم أو مصادر رزقهم.
وأكدت الرسالة أن الكنيسة ستظل صوتًا للرحمة والحق، وستواصل الدعوة إلى حماية المدنيين، والدفاع عن كرامة الإنسان، والعمل من أجل مستقبل تسوده العدالة والمصالحة الحقيقية.
تهنئة بالعيد ورسالة أمل
واختتمت رسالة عيد الميلاد بتوجيه التهاني إلى أبناء الكنائس في القدس، وإلى المسيحيين في مختلف أنحاء العالم، مع الدعاء بأن يعمّ الفرح والسلام المنبثق من محبة الله اللامحدودة، والتي تجلّت بأكمل صورها في ميلاد السيد المسيح في بيت لحم.
وأكد بطاركة ورؤساء الكنائس أن عيد الميلاد، رغم كل الآلام، يظل مناسبة لتجديد الإيمان بأن النور قادر على اختراق الظلام، وأن السلام الحقيقي ممكن عندما يُبنى على العدالة والمحبة والرحمة.






